الخطيب الشربيني

570

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

والخردلة . وقيل : الظنّ بمعنى اليقين . وقوله تعالى : يَوْمَ يجوز نصبه بمبعوثون ، أو بإضمار أعني ، أو بدل من محل يوم فناصبه يبعثون يَقُومُ النَّاسُ أي : من قبورهم لِرَبِّ الْعالَمِينَ أي : الخلائق لأجل أمره وجزائه وحسابه . وعن ابن عمر أنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال : « يوم يقول الناس لرب العالمين حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه » « 1 » . وعن المقداد قال : سمعت رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يقول : « إذا كان يوم القيامة أدنيت الشمس من العباد . حتى تكون قيد ميل أو اثنين - قال سليم : لا أدري أي الميلين يعني : مسافة الأرض أو الميل الذي تكتحل به العين - قال : فتصهرهم الشمس فيكونون في العرق بقدر أعمالهم فمنهم من يأخذه إلى عقبيه ، ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه ، ومنهم من يأخذه على حقويه ، ومنهم من يلجمه إلجاما ، فرأيت رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وهو يشير بيده إلى فيه يقول : ألجمه إلجاما » « 2 » . وعن قتادة : أوف يا ابن آدم كما تحب أن يوفى لك ، واعدل كما تحب أن يعدل لك . وعن الفضيل : بخس الميزان سواد الوجوه يوم القيامة . وعن عبد الملك بن مروان أنّ أعرابيا قال له : سمعت ما قال الله في المطففين أراد بذلك أنّ المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم الذي سمعت به فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ولا وزن ، وفي هذا الإنكار والتعجيب وكلمة الظنّ ووصف اليوم بالعظم وقيام الناس فيه لله تعالى خاضعين ، ووصفه ذاته برب العالمين بيان بليغ لعظم الذنب ، وتفاقم الإثم في التطفيف وفيما كان في مثل حاله من الحيف ، وترك القيام بالقسط والعمل على السوية ، والعدل في كل أخذ وإعطاء بل في كل قول وعمل . وعن ابن عمر أنه قرأ هذه السورة فلما بلغ قوله تعالى : يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ بكى نحيبا وامتنع من قراءة ما بعده . وعن بعض المفسرين أنّ لفظ التطفيف يتناول التطفيف في الوزن والكيل وفي إظهار العيب وإخفائه وفي طلب الإنصاف والانتصاف ، ويقال : من لم يرض لأخيه المسلم ما يرضاه لنفسه فليس بمنصف ، والمعاشرة والصحبة في هذه المادّة ، والذي يرى عيب الناس ولا يرى عيب نفسه من هذه الجملة ، ومن طلب حق نفسه من الناس ولا يعطيهم حقوقهم كما يطلبه . وقوله تعالى : كَلَّا ردع ، أي : ليس الأمر على ما هم عليه فليرتدعوا ، وههنا تم الكلام . وقال الحسن : كلا ابتداء متصل بما بعده على معنى حقا ، وجرى الجلال المحلي وأكثر المفسرين على الأوّل . إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ أي : كتب أعمال الكفار وأظهر موضع الإضمار تعميما وتعليقا للحكم بالوصف . واختلف في معنى قوله سبحانه وتعالى : لَفِي سِجِّينٍ فقيل : هو كتاب جامع ، وهو ديوان الشر دوّن الله تعالى فيه أعمال الشياطين وأعمال الكفرة والفسقة من الجنّ والإنس ، وقيل : هو مكان تحت الأرض السابعة وهو محل إبليس وجنوده . وقال عبد الله بن عمر : سجين في الأرض السابعة السفلى فيها أرواح الكفار .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير القرآن حديث 4938 ، ومسلم في الجنة حديث 2862 ، والترمذي في تفسير القرآن حديث 3336 ، وابن ماجة في الزهد حديث 4278 . ( 2 ) أخرجه مسلم في الجنة حديث 2864 ، والترمذي في القيامة حديث 2421 .